‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد مظلوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد مظلوم. إظهار كافة الرسائل

بازي النسوان: قناص يصطاد الجمال ويتلذذ بالهزيمة


بجيش من النساء وقطيع من الحزن والذكريات, يطل علينا الشاعر العراقي محمد مظلوم حاملاً ديوانه الجديد "بازي النسوان" الصادر حديثاً عن دار التكوين (2008). وأقول ديواناً وليس مجموعة شعرية, لأنه يتكون من قصيدة واحدة تمتد على مساحة 140 صفحة من الشعر الخالص, الذي يحمل نفَساً ملحمياً محموماً بدراما صاخبة ولغة متدفقة لا تهاود إلا لصالح الشعر, ولا تستسلم إلا للمرأة. المرأة التي يتوجه إليها هذا السومري تمتد منذ نساء الأساطير كهيلين وديانا وجوليا وليليث وصولاً إلى "مراهقة ترى العالم والرجال/ من الطوابق العليا للباصات" ص19.
يستهل محمد مظلوم كتابه على عادته في أغلب دواوينه باقتباسات شعرية أو نثرية تشكل الفاتحة أو المدخل إلى البناء الفني للديوان, وهو هنا يقتبس أربع شواهد لكل من القلقشندي وأبي تمام وأبي نؤاس وعبد القادر الكيلاني تتعلق جميعها بطائر الباز, هذا الكائن الشعري الذي يشكل مفتاح النص برمته ويبني عليه الشاعر الصورة الكلية لملحمته.
ينقسم الديوان بشكله الفني العام إلى جزئين رئيسيين يفصلهما الفراغ الطباعي في الصفحة 80. يعتمد غالباً في جزئه الأول على السطور أو الجمل الشعرية القصيرة, عالية النبرة والأكثر كثافة من حيث بناء الصورة, فيما يميل الجزء الثاني إلى الجمل الشعرية الطويلة التي تمتد إلى عدة أسطر, وتعتمد على سردية الخطاب واستخدام أدوات اللغة العطفية والاسئنافية والسببية والاستدراكية, إنما بعيداً عن الإنشائية والاستخدام المجاني للغة. لأن المظلوم كما خبرناه منذ أعماله السابقة شاعر يمسك جيداً بأدواته الشعرية ومواده البلاغية والنحوية, ولا يسمح لجمله بالمرور إلى الورقة دون رقابته الفنية الصارمة. هذا الشكل العام للديوان يذكرنا بديوانه "أندلس لبغداد" الذي يتألف كذلك من قصيدة طويلة واحدة يستخدم بها الشاعر عدته الكاملة وينوع فيها, كما هو الحال هنا, على الأشكال الشعرية المختلفة: العمود والتفعيلة والنثر, وإن كان الأخير هو الغالب.
هذا هو الديوان السابع للشاعر, لكنه الديوان الأول من حيث توجهه المباشر إلى المرأة, رغم بعض القصائد التي تخللت الدواوين السابقة. ربما لأن الشاعر سأم سيرة الحرب والمنفى التي خاضها حياة وشعراً منذ الثمانينات وها هو يخرج "من الحرب إلى الحبّ/ كراءٍ رأى ما رأى / وتيقن من خراب أعياده" ص8, عائداً "في آخر قارب/ من سيناريو خائف لحرب أهلية/ بين بغداد الشرقية والغربية/ .../ جريح الهوية والذكريات" ص87, لهذا فقد آن الآوان ليلتفت في عزلة المنفى إلى ذاكرة جسده بعدما أصبح مفلساً "من النساء/ فلأكتب عنهن في ندرتهن بأيامي هذه / كيهودي يقلب دفتر حسابه القديم بحثا عن ديون مهملة / كعطلة الأشجار في سماء موحلة"ص9.
لكنه مع هذا, لا يستطيع النجاة من حمى هذه الحرب الأهلية التي كما تغلغلت في حياته, تسللت إلى علاقته بالمرأة كذلك, إنما هي حرب أهلية جديدة أخف وطأة لا تقسمها الحروب "أنتِ بغدادي الشرقية والغربية التي لا تقسمها الحروب ولا النساء"ص88, إنها "حرب أهلية لا تنقصها الموسيقى" ينشغل خلالها "بكل تلك الشؤون والذكريات"ص9. إذن فهي حرب أهلية مع امرأته, حرب يخوضها بينه وبين جسده وشهواته وذكرياته يقبل عليها كبازي أرهق بوصلته "بضراوته وتضوره" ص12.
وعلى الرغم مما يتظاهر به هذا البازي من الضراوة, والرغبة في الهتك, وسعار الشهوات, وعلى الرغم من الأقنعة العديدة التي يحاول تقنيع وجهه بها كما في قوله: "أنا سومري أكلت لحمه النسور لكنني بعثت طائراً آخر بجناحين من هبوب شرس وبي ضراوة الهتك وهي تثب منتفضة كلما لمعت سُرّة رومية أو ركبة فارسية أو كتف صحراوية"ص84, وفي قوله: "أنا باريس الطروادي في ذريعة اليونان أدفن هيلين عند سواحل الأناضول, وألاحق أوفيد الروماني في معتقل آثامه الشاسعة"ص35, وفي ادعائه: "بي لوثة كازانوفا"ص35, وادعائه أن به:"لذة الماركيز المسعورة بسم الأساطير" ص46, إشارة إلى الماركيز دو ساد الذي يعقب عليه في مكان آخر من الديوان: "أنا ماركيز جسدك/ سجني أوسع من مسرح/ يتدافع في انهياره الجن والإنس ملتصقين" ص76, أقول, إنه بالرغم من كل هذه الإدعاءات, إلا أنه يسقط أخيراً في فخ حقيقته حينما يعرج على دون جوان قائلاً: "دون جوان متزوج من الندم منذ فجر العالم" ص45. ليس هذا وحسب بل يسقط أيضا في سلسلة من الاعترافات التي تشي بندمه الكبير وعذابات ذكرياته, كما يقول: "لا أصيد لغريزة المتعة أو لأمتعة سفر عابر, لا طلبا لجائزة..../../بل لأنني أبحث عن شِقَّة نفسي وشقاق أيامي../... / أبحث عنك وكأنني أضعتك ذات يوم ولا أنوي أن أضيعك مرة أخرى"ص95, وقوله: " سأكون معك.../ كأنني أعثر على أبديتي الضائعة"ص107, وقوله:"إنها ذبحة النَّوح من عهد نُوح"ص96.
من هنا نعثر على ماهية البحث التي يسِمُ بها هذا البازُ قنصَه, فهذا "الفاتك قبل الأربعين, الناسك بعد الأربعين" ص29, لا يبحث إلا عن نساء ذاكرته, جناحه الأيمن هو الحزن والأيسر هو الندم, هؤلاء النسوة اللواتي: "إليهن مشيت مع النهر وصحبة الغروب/ .../ وابتسمت لرقصة الظلال/ على طبول النهارات في كرادة الستينات/ وطاردت ظلالهن الصاعدة ببطء/ نحو مراهقة ترى العالم والرجال/ من الطوابق العليا للباصات"ص19 , النسوة اللواتي يندم عليهن بعدما آلت حياته إلى الغروب: "قبل العشرين/ كان الجميع ينافسني على امرأة وحيدة/ ترعى قطيعا من العشاق/ في ظهيرة مدرستها./ وبعد الأربعين/ لا أحد منهم/ يشاركني بقطيع من النساء/ يرتعن في عسل الغروب" ص51. إنه البحث عن الطفولة الضائعة, وعن نقطة البدء الأولى: "وأهيم في سهول خيالات/ كنبي يتذكر مرعى شياهه" ص78, ويعترف: "احضنيني بآبارك لألتصق بسرتك كما لو أنني أسترجع الحبل السري صلة لبداياتي" ص93. كل هذا لسبب وجيه: "إنها طفولة مريرة/ كعصارة شجر الصبر/ على حلمة تطرد فم الرضيع/ ليمضي حياته رجلا مفطوما/ ومهيجا بالذكريات" ص32.
الأنثى لدى محمد مظلوم تتقنع بأقنعة عديدة كذلك, فهي في مفهومه لا تقتصر على المرأة الحاضرة لحماً ودماً بين يديه, بل يرى فيها كل النساء بدءاً من نساء الأساطير والتاريخ وصولا إلى حبيبته: "لا أمتلك لغزاً لليلى المريضة بعشق الغرباء/ أو لجوليا الأسيرة في ثياب الملكات/ فأجمعهن بكلمة حبيبتي" ص33.
العلاقة بين الرجل والمرأة عند الشاعر هي علاقة جدلية في مفهومه, قائمة على المواجهة والتحدي والقنص والأخذ والرد, إنه يدجج نفسه بكل الرجال الأسطوريين والتاريخيين ويدججها بالمقابل بكل النساء المتفردات تاريخياً, ليخوض معركة قوامها مائة وأربعون صفحة, والنهاية مفاجئة, إنها النهاية التي لا نتوقعها من عنوان الديوان ولا في صفحاته المائة الأولى, إنها هزيمة الرجل الذي لا يرى الأنثى في نهاية رحلة القنص "سوى سرب من الذكرى يفرّ مدججاً بسراب" ص124. إنه إغواء معكوس " لعبة أجيد فيها الهزيمة, بانتظار غزواتك لي/ سأكون هذه المرة طيّعا كملك أتعبه الضجر والحب" ص125, "حيث المرأة بارتغابها أكثر فتكا بالرجل من الرجل بأعدائه ونفسه" ص97.
هكذا ومع نهايات الديوان يعلن المظلوم هزيمته النكراء في مواجهة المرأة, لكنه يعلن بالمقابل انتصاراً من نوع آخر, إنه الإنتصار الشعري والفني الذي نلمسه في كل سطر بهذه الملحمة.
اللغة الشعرية عند المظلوم لغة غنية بالصور, فالصورة الكلية للقصيدة تضم مئات الصور الجزئية الموظفة لصالح الأولى, وهي في العموم صور مكثفة, تتعدد مستوياتها الدلالية, وتأخذ المتلقي إلى أكثر من وجهة. قاموس المفردات قاموس غني ومتنوع أيضاً, ونستطيع الاستدلال على أكثر من واحد عبرها, فهناك المفردات الأسطورية, والتاريخية, التي ذكرناها آنفاً, وهناك قاموس المفردات اليومية التي نراها في بعض الصور الحسية مثل: "ها أنا أرى أعلى سروالكِ يُسفِر عن سرّتك" ص109, "عاداتي وأنا أرفس الغطاء نحوك أو أنتزع المخدة من بين ركبتيك وأدسّ بدلاً عنها إحدى ركبتي" ص119, "أما زلتِ مصرّة على منعي من إتيانك في الحمّام وغشيانك تحت الماء.../../ ألم تحمّميني عندما كنت أعود مغبرّاً من تراب الحروب" ص120. هنالك قاموس المفردات المعجمية أيضاً مثل: الفواخت, فيشلة, زبرج, حوثرة, الرهل, الزهل, نشوغ... وغالباً ما وظف هذه الكلمات ضمن امتدادها التاريخي, حين يستدعي تاريخ الإيروتيكا العربية شعرياً في قصيدته, ليعطي الصور دلالاتها من خلال الألفاظ الواردة في الأدبيات الإيروتيكية العربية. وعلى نهج هذه الأدبيات يتطرق الشاعر إلى بحث لغوي عن أصل تسميات العضوين الجنسيين لدى الرجل والمرأة ومرادفات تسميتيهما, كما نجد في الصفحتين الخامسة والخمسين, والتاسعة والخمسين. كما يصف هذين العضوين وصفا شعرياً إيروتيكياً متناهي الجدّة والإبداعية. ولا ينسى كذلك أن يستفيد من الإيقاع اللفظي الداخلي للمفردات عن طريق توظيفه للجناسات والطباقات ضمن سياق الجملة مثل: "فرأت ليليث ليلى/ مزجت ليلى بليلي"ص65, "يحرث أسرار سيرتك/ ما بين السرة والسرير" ص73, "ويأتي حرثه بحوثرة ساخنة"ص74, "أنت في نومك وأنا في يومك"ص85.
قد نختلف مع الشاعر في بعض تقنياته أحيانا وقد نتفق أحيانا أخرى, لكنك تشعر خلال قراءتك لهذا الديوان أن محمد مظلوم يحشد كل طاقاته اللغوية والبلاغية والمعرفية لصالح هدفه الجمالي والشعري. تشعر أنه يحاول كتابة ملحمته الشخصية من خلال العديد من الملاحم التي يتطرق إليها في النص, ويصوغ ذكرياته وخيباته وأحلامه بيدٍ حريفة عالية اللياقة, لا تعوزها الموهبة ولا تنقصها الأدوات القادرة على اجتثاث الشعرية من منابعها الأصيلة. بازي النسوان هو سيرة ملحمية لزير نساء في خضم حرب أهلية, لا تنفك عن اكتشاف عشرات الأشياء الجديدة بها, كلما أعدت قراءتها.

ـــــــــــــــــ

تمام تلاوي - ملحق نوافذ - جريدة المستقبل اللبنانية

محمد مظلوم في "حطب إبراهيم"


يخوض الشاعر محمد مظلوم في كتابه الجديد "حطب إبراهيم" مغامرة شديدة الصعوبة, وتجربة سردية نقدية بالغة الإشكالية ومحرضة على فتح الكثير من النقاشات والاستفهامات وربما النيران أيضا حول مسيرة شعراء الثمانينات في العراق وما بعد العراق.
وهو في هذه السيرة الشعرية التي يسرد تفاصيلها ويعيد رسم خطوطها لشعراء الثمانينات العراقيين لا يهادن ولا يقف على الحياد ولا يكتفي بالتوصيف, وإنما يتوغل أبعد من ذلك حيث يقف ليصنف ويحاكم ويمارس النقد ونقد النقد, مستخدما مشرطا بالغ الرهافه ومستندا على مصداقية تتخذ بلاغتها من الوثائق والوقائع التي يدرجها ويفصلها على طاولة التشريح دون إغفال لأسماء الشخوص والأماكن والتواريخ. لأنه لا يؤمن بوجود موضوعية تامة في النقد الثقافي, كما يقول في مقدمة كتابه, "فهناك موضوعيّات تتعدد بتعدد من يطرحها أو يتذرع بها".
ربما يريد محمد مظلوم من هذا أن يترك شهادة لا من أجل التاريخ الثقافي العراقي وحسب, وإنما من أجل التاريخ العراقي برمته, لأن هذه الثقافة كما يتضح لنا من كتابه لم تنتج يوما في تاريخ الدولة العراقية الحديثة بمعزل عن ظروفها السياسية والاجتماعية والتاريخية التي مر بها العراق, كما لم يشتغل الشعراء في العراق يوما من أجل الشعر وحسب بمعزل عن محيطهم, وإنما لطالما تأثروا بما أحاطهم من تلك الظروف, حتى أتت الفترة الصاخبة التي قسمتهم بشكل صارخ كما يفصلها لنا إلى ثلاثة أقسام وهي: شعراء الجلاد أو الحطابين, وإلى الشعراء الضحية أو الحطب, وإلى الشعراء الذين نالت نصوصهم ومسلكياتهم قدرا من ثنائية الجدل فكانوا حطابين تارة وحطبا تارة أخرى. حيث اضطلع القسم الأول منهم بمهمة حمل أبواق السلطة, واضطلع القسم الثاني بحمل تمردهم الداخلي أو حتى صليبهم, فيما حمل القسم الثالث علبة الألوان والفرشاة التي يستطيعون من خلالها تلوين جلودهم بما تقتضيه ظروف البرهة.
لكن المظلوم وإن كان في الظاهر يتحدث من منظور عقدي للأجيال -كما استقيناه من عنوان كتابه- "شعر الثمانينات", إلا أنه في الواقع لا يعتمد هذا الشكل من التصنيف البسيط, وليس لشعراء جيل الثمانينات وحسب, بل إنه يذهب أبعد من ذلك بكثير, حيث يعيد تقسيم أو "تجييل" شعراء حقبة الدولة العراقية كافة, منذ نشوءها عام 1921م وحتى سقوطها على أيدي القوات الأمريكية في نيسان 2003م, وذلك بطريقة جديدة يستلهمها من الباحثين الأمريكيين في علم الاجتماع ويليام شتراوس ونيل هاو, ترتكز أساسا على الشروط التكوينية والحاضنة الوقائعية للفترة التي مر بها كل جيل من الشعراء فتفاعلوا معها وأثروا وتأثروا بها, لتنعكس بالتالي على نتاجاتهم الشعرية والثقافية والتنظيرية. من هنا تنقسم الأجيال داخل الدورة التاريخية الواحدة إلى أربعة نماذج بدئية هي: جيل "البطل" الذي يمثله في سياق هذا البحث شعراء كالزهاوي والرصافي والجواهري الذين شاركوا في تأسيس الدولة وبناءها الثقافي والسياسي واعتلوا مقاعد البرلمانات. وجيل "الفنان" الذي نشأ شعراؤه في ظل رعاية الدولة ومؤسساتها وبداية ازدهارها ليصبحوا بالتالي زعماء وروادا من أمثال السياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند وصولا لسعدي يوسف. وثالثا جيل "النبي" الذي ترعرع ممثلوه في بداية الازدهار وقدموا أعمالهم في عهد نضج الدولة ومؤسساتها ما أسبغ عليهم تلك الثقة الزائدة بالنفس وشعور امتلاك الحقيقة المطلقة اللتين يتصف بهما شعراء الستينات والسبعينات. وأخيرا جيل "البدوي" الذي يترعرع في ظل الدولة ومؤسساتها ويعاني في نفس الوقت من مشاعر الإقصاء أو الوصاية من قبل من سبقوه بسبب عدم مشاركته في صناعة الحداثة (القديمة) كما فعل السابقون, ولذا تنشأ لديه تلك النزعة الشديدة إلى التمرد على المسلمات والمنجزات السابقة وعلى القيم المسبقة الصنع, أو حتى نزعة التدمير ولو وصلت لدرجة تدمير الذات.
وحتى بالنسبة لشعراء الثمانينات أنفسهم لا نجده يكتفي بوضعهم في سياق الشكل الذي أوردناه إنما يقسمهم هم أنفسهم في أماكن أخرى من الكتاب تبعا للمناطق التي ينتمون إليها مثلا, أو تبعا للتيارات الفنية الشعرية التي ينتمون إليها, هذه التيارات التي اختلفت وتقاطعت في محيط الشعر, والثقافة والرؤيا إلى العالم والإنسان والأشياء. وهو بهذا التقسيم المتعدد ومتغاير الذرائع ربما يحرر بعض الشعراء من "ربقة الجماعة -بمعناها العصبوي التي قد تتحول إلى رفقة وميثاق وعهد- لصالح فضاء أرحب وآفاق أكثر سعة".
لكن المفارقة تتبدى هنا عندما يقوم المظلوم -الذي لا يعتقد بصوابية التقسيم العقدي للأجيال كما يصرح في كتابه- بإسقاط هذا التقسيم (الشتراوس-هاوي الذي يكيّفه عراقيا) على شعراء الدولة العراقية, فينتج عن ذلك في الواقع تقسيما عقديا دون أن يقصد ذلك ربما, فإذا ما أمعنا النظر في فارق السنوات بين هذه الأجيال الأربعة فسنجده لا يتجاوز العشرة أو الخمس عشرة سنة, مما يجعلنا نتساءل ربما عن سبب إيجاد تسميات موازية لهذه الأجيال. بينما سيكون هذا التجييل أكثر وضوحا مثلا لو أسقطناه على المشهد الشعري السوري, فباعتمادنا على العناصر التي اعتمدها المظلوم لتقسيم الأجيال سنجد أن "الجيل البدوي" للشعراء السوريين ما يزال مستمرا حتى اليوم منذ بدايات الثمانينات, حيث لم تتغير الظروف الموضوعية, ولم تتبدل الوقائع التاريخية أو السياسية ولا المؤثرات الثقافية للشعراء السوريين بشكل واضح طيلة أكثر من ربع قرن, مما يجعل الفارق الثقافي والفكري ضئيلا جدا بين الشاعر الذي بدأ في الثمانينات وذلك الذي بدأ في أول العقد الأول من الألفية الثالثة, فهما ينتميان تقريبا إلى نفس الوعاء التكويني وإلى نفس الظرف الواقعي للدولة السورية. لكن العراق الذي كان –وربما ما زال- يخضع لانقلابات دراماتيكية في واقع الدولة كل عشرة سنوات تقريبا, كان ينتج في كل مرة جيلا من الشعراء يختلف كليا عن الجيل الذي سبقه, تبعا للبرهة التي خاض متغيراتها, ولذا فإن البعض ربما لن يرى مشكلة حقيقية في تقسيم شعراء العراق إلى أجيال عقدية.
هنالك سؤال آخر يمكن أن نطرحه هنا بالنسبة للأجيال انطلاقا من النقطة التي أوردناها سابقا وهو: ماذا عن شعراء التسعينات العراقيين؟ ألا يمكن أن نضمهم للجيل البدوي أيضا, ألم يعانوا من نفس مما عاناه من سبقهم, ألم يتشتت كثير منهم في أصقاع الأرض كذلك من أمثال عبد الخالق كيطان وسعد الياسري وغيرهم؟ وما هو شكل العلاقة بين شعراء الثمانينات والتسعينات, هل يشابه ما كان عليه الحال بين الثمانينيين والسبعينيين, أم يختلف؟ وخصوصا حين نتحدث عن الإقصاء الذي عاناه شعراء الثمانينات في بداياتهم من قبل شعراء السبعينات والستينات. لكن المظلوم لم يشر إلى من جاء من بعد جيله, وهذا راجع برأيي إلى أحد سببين: إما أنه لم يجد حتى الآن تجارب من الجيل اللاحق متبلورة بما يكفي لتستحق الحديث عنها؟ أو أن طبيعة الحياة التي عاشها شعراء الثمانينات والتسعينات منعتهم من تكوين علاقة حقيقية بين هذين الجيلين, وخصوصا أنهم في الغالب عاشوا أشتاتا في أماكن متفرقة من العالم, كما أن جيل المظلوم لم يستلم منابر أو مؤسسات ثقافية تؤسس للاحتكاك الفعال بينه وبين الجيل اللاحق.
وفي الحقيقة فإننا نشعر أثناء قراءة هذا الكتاب أنه موجه أساسا لتأريخ العلاقة بين شعراء الثمانينات بين بعضهم البعض من جهة, والعلاقة بينهم وبين الجيل الذي سبقهم من جهة أخرى. لاسيما أنها كانت علاقة مشحونة بالكثير من الصراعات والإقصاءات المتبادلة والاختلافات الجذرية ثقافيا وفكريا, كما يتضح لنا من قراءة بعض الأحداث التي تم توثيقها هنا. كما نشعر أيضا أن الكاتب يحاول عبر سرد هذه السيرة الجماعية أن يوصل رسائل محددة وواضحة الصياغة إلى من يهمه الأمر, ويحاول إعادة رواية ما التبس من الأحداث أو ما جرى روايتها بطريقة مغلوطة من قبل من امتلكوا المنابر الإعلامية في تلك الفترة. يحاول أيضا أن يخلّص نفسه وجيله من أتون النار التي تلظوا بحميمها سواء بالإقصاء أو بالنقد المتعجرف والمتعالي الذي مورس على تجاربهم وهضَمها حقوقَها. والواضح في الحقيقة أنه يرد ولا يهاجم وأنه يدافع ولا ينتقم, وهذا لا يتبدى من تصريحه في المقدمة وحسب, وإنما أيضا من خلال قراءتنا للكتاب الذي يضم أكثر من دليل على هذا, فهو قد أغفل ذكر أسماء بعض الشعراء في سياق روايته لبعض الأحداث التي قد تسيء إليهم شخصيا وتدينهم أخلاقيا فيما لو انكشفت أسماؤهم, كما أنه قدم بعض الروايات لنفس الحادثة على أكثر من وجه وبالاعتماد على أكثر من مصدر دون أن يصدر حكما شخصيا وإنما ترك فك الالتباس للمعنيين بالأمر أولا أو للقارئ كما فعل مثلا مع عدنان صايغ. كما برر لبعض المثقفين الذي سايروا السلطة موقفهم هذا بالخوف من ألة قمعها الجهنمية, لكنه لم ينس بالمقابل أن يشير بالإصبع الواضحة إلى أولئك الذين سايروا السلطة طمعا في نعماها أو ممالئة لعطاياها. وهو في مطلق الأحوال دعا بشكل صريح وواضح إلى "حوار هادئ وعميق بعيدا عن الإلغاء وعقد المحاكمات, ولكن بمراجعة نقدية تغني الجميع وقد ترضي الجميع ولا تسيء إلى أحد" ص270. كما دعا إلى التحلي بروح التسامح بعيدا عن الثارات التي دأبت السلطة فيما مضى على إيقاظها..ص269.
وبالعودة للحديث عن شعر الثمانينات بالخاصة, فقد قام المظلوم بوضع ما أنتج من الشعر خلال تلك الفترة ضمن عدد من التشكيلات التي حدد خصائص كل منها معتمدا على الشواهد الشعرية وعلى الأسماء التي اشتمل عليها كل منها. فهناك شعراء المنابر الذين أضاءهم النظام بسلطانه, وهناك شعراء الظل الذين اختبأت جذواتهم الابداعية تحت رماد المرحلة, كما أن هناك شعراء المركز وهناك شعراء المحافظات. هناك أيضا ثلاث تيارات فنية أساسية حددها تتمثل بتيار الشعراء الذين تناسلت قصائدهم فنيا من احتمالات قصيدة السياب وتيار قصيدة النثر المنتمي لروادها الماغوط وأنسي الحاج والشعر الوافد, وهناك التيار المحافظ الذي حافظ على التقنيات المتوارثة للقصيدة الكلاسيكية. تحدث أيضا عن دور المقاهي والمنتديات الأدبية في تشكيل الوعي الثقافي وإعادة تشكيل جماعات داخل الجماعات. تحدث أيضا عن السمات التي ميزت الجيل البدوي وشعره, فهو الجيل الذي يعاني من الانهيارات الدراماتيكية والصدمات النفسية والتشتت في التزام المواقف والأفكار, وهو جيل التبدلات السريعة إلى حد التناقض من الموقف من النظام الديكتاتوري, وهو جيل يتسم بروح التدمير, وهو بهذا المعنى جيل الانسحاب من اليقينيات أو جيل اللاعقيدة, وهو جيل الجمع بين الفنون, حيث أن العديد من شعراءه امتلكوا مواهب أخرى وعملوا بها كالرسم والتمثيل, وهو جيل الـ "أنا" المسحوقة, الذي يتحدث شاعره عن هزائمه وخيباته الذاتية بضمير الغائب في كثير من الأحايين. وبرأيي فإن جميع ما سبق من خصائص وتشكيلات ربما نجد له نظائره بشكل أو بآخر على أقران هؤلاء الشعراء في سوريا أولبنان مثلا, لكن السمات الأبرز التي تميز شعراء العراق وهي السمات التي ركز عليها الكاتب, هي ما يتعلق بمشاركة هذا الجيل في الحرب الإيرانية العراقية مشاركة جسدية (وليست عقائدية) ومعاناته من ويلات المدافع والبنادق والخنادق, بالإضافة إلى حالة الرعب الشديد التي سكنتهم في مواجهة الموت إن لم يكن برصاص (الأعداء) فبرصاص الديكتاتور. أيضا هناك حالة الهرب (أو الخروج) من الوطن إلى المنفى المتعدد الذي فرقهم أشتاتا. الأمر الذي ميز أشعارهم بخصائص يكاد يندر وجودها عند أقرانهم في باقي الأقطار, فقد كتبوا ما يسمى بشعر السيرة الذي وصفوا من خلاله ما عانوه من الأهوال, لكن ذلك الوصف تجلى بترميز عالٍ واستخدام الأسطورة المركبة متمايزين بذلك عن استخدامها البسيط أو الساذج لدى الشعراء الرواد, ما أصبغ على أشعارهم ذلك القدر العالي من الغموض, حتى أنهم في الفترة ما قبل المنفى كانوا يتوهمون أن كتاباتهم تلك "هي سطور في رسائل مشفرة ستعبر حدود البلاد, وربما حدود الأرض كلها ليقرأها منقذون من عوالم شتى وأزمنة سحيقة ويحضروا في لحظة واحدة بفعل التعزيمات المكتوبة بوجدان مقهور"ص125..
إن هذا الكتاب يكتسب أهميته برأيي الشخصي من كون كاتبه هو واحد من أهم شعراء ذلك الجيل على الصعيد الفني والانتاجي, ولعله من أوائل شعراء جيله الذين عرفناهم في سوريا إضافة إلى رفيقه في رحلة العبور الكبير من ضفة الوطن إلى ضفة المنفى الشاعر باسم المرعبي, الذين خبرا الفترة بكامل تفاصيلها. هذا بالإضافة إلى أن ما جاء في صفحاته سيكون محرضا على إثارة الكثير من الجدل والنقاشات والأسئلة وخصوصا من قبل من مستهم شفرة المؤلف, وحتى ربما أيضا على تأليف المزيد من الكتب بالأقلام الجارحة لهذا الجيل البدوي المشاكس.. وإذ يضع المظلوم كتابه بين أيدينا اليوم فلا ليتخلص ويخلص جيله من العبء الذي يحمله ضميره الثقافي لتلك المرحلة وحسب, وإنما أيضا ليقدم لنا فهما جيدا وجميلا وممتعا وشاملا عن الشعر العراقي, في فترة كان قد حجب عنا خلالها بفعل قعقعة المدافع, ودخان الحرائق..

ـــــــــــــــــ
تمام تلاوي - ملحق نوافذ (جريدة المستقبل اللبنانية)