غرفة عالية لقنّاص الأسى


من أرض الحجاز جنوباً إلى الساحل السوري شمالاً, يستدرج القنّاص طرائدَه الكثيرةَ إلى غرفته الصغيرة. خمسةُ أمتارٍ طولاً وثلاثةٌ عرضاً, بسقف واطئ, ونافذةٍ وحيدة تطلّ على البواخر الراسية أبداً في الميناء. لم يجد القنّاص مصعداً, فاضطر لحمل طرائده واحدةً واحدةً الى الطابق السابع. لم يكن قد انتبه بعد إلى ملامحه التي تغيرت بتغير المناخ. حتى أحلامه تغيرت أيضاً, وتغيرت مصائره, وفسدت الطرائد.
هكذا.. ومن نافذة وحيدة تطلّ على زئير البواخر, راح القنّاص يبتدع طرائدَ أخرى, ويخترع جهاتٍ أخرى. وهكذا, ومن دون أن ينتبه, ازدحمت غرفته الصغيرة بطفولته وذكرياته ووجوه العائلة وطيف المرأة. المرأة التي ناولها براءة الحب الذكري الأول, فناولته تمنّع الحب الأنثوي الأول, ووزع على أصابعها قصائد الشكوى, فوزعت على شرايينه سكاكين الألم.
كل ما اقتنصه من هذه النافذة هو الأسى, كان إذا ما تنفس فإنما يتنفس الأسى, وإذا ما لامس التراب تحول التراب إلى الأسى. كان صغيراً على الأسى, وبالكاد نبت زغب شاربيه, ولم يكن له من صاحب أو صاحبة. تعلم أن يطلي غرفته ببياض الدخان وحيداً, وأن يثمل وحيداً, وأن يسعل وحيداً, وأن يلقي قصائده على الجدران, كلَّ قصائدِه, غيمةً غيمةً, حتى ضجرت الجدران, وتقشّر طلاؤها من رطوبة أنفاسه.
ولأنه لم يتعود المطر, ولم يحب صعود السلالم, فقد كان نادراً ما يغادر غرفته, فيما مقعده الفارغ, مستوحشاً وبارداً يتأمل الطلبة الجالسين في قاعة الدراسة الجامعية. المطر في هذه المدينة كثير على نافذتي.. هذا ما كان يقوله وهو يزيح بلطف ستارة العشرين من عمره. أما المدفأة الكهربائية المنتصبة على سيقانها الثلاثة قرب الطاولة, فلم تكن تدفئه بقدر ما كانت تؤنسه, كان يرى في توهجها واستدارتها شبهاً واضحاً مع قلبه. كانت تدفئ رجليه العاريتين حتى الألم, فيما ترتعش يداه الباردتان حول زناد القصيدة المنتصبة فوق الطاولة الباردة.
لا صوت في هذه الغرفة سوى ألم الصوت, الصوت المنبعث من الزاوية, حيث يصرخ الراديو عالياً ليعلمه بأن نزار قباني قد رحل منذ قليلٍ إلى الموت, وقيل إن الموت رحل بنزارٍ إلى مكان آخر, وقيل إن نزاراً قد قبض على الموت وهو يتسلل إليه من الباب الخلفي للحبّ, واختلفت الروايات, لكن المهم أن نزاراً قد رحل, وأن القنّاص ما زال يجلس قرب الراديو يتصيد أخبار الشعراء, وما زال يحلم بلقائهم, لعله يجد في نفسه ما يشبههم, أو يجد فيهم ما يشبهه.
كان يغادر الغرفة أحياناً, ليزور سريره في حمص, حيث شدّتْه القابلةُ من رأسه الصغير, وحملته من قدميه الصغيرتين, وضربت بباطن كفّها على ظهره, ليتنفس هواءه الأول. لكن البرد هنالك كان أكثر قسوة, فلا يلبث أن يعود حاملاً إلى غرفته غربةً أخرى, ووجوهاً أخرى, ودفئاً مؤجّل.
لم يكن يريد من قنصه الكثير, ولم يحلم سوى بطريدة واحدة يستطيع أن يتدفّأ بفروِها. عامان كاملان وهو مختبئ وراء النافذة, يترقب من منظار قناصته مرور الطريدة. عامان كاملان, كلما اصطاد طريدة ازداد برداً. عامان كاملان وهو يصطاد الأسى.
وأدرك القناصُ اليأس, وأدرك اليأسُ القناص, فأوصد باب الغرفة برتاج الذكرى, وهبط أدراج العزلة, ذاهباً بقصيدته الطويلة إلى البحر. كان نيسان يتمشي على الشاطئ, وكانت الشمس تتمشى بقرب نيسان, وكانت امرأة تقتنص القناص, وكان القناص, وكان الدفء.
ـــــــــــــــ

تمام تلاوي - جريدة تشرين السورية

ليست هناك تعليقات: